ابن عربي
309
محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار
كثرة ما نعصيه ، وما ندري ما نشكر ، جميل ما ينشر أم كثير ما يستر ، أم عظيم ما أبلى أم كثير ما عفا . غير أنه يلزمنا في كل الأمور شكره ، ويجب علينا حمده . فاستزد اللّه في حسن بلائه ، كشكرك في حسن آلائه . سئل بعض البلغاء عن النطق والصمت ، فقال : أخزى اللّه الساكنة ما أفسدها للّسان وأجلبها للعي ، وو اللّه لا مماراة في استخراج حق أهدم للعي من النار في يابس العرفج . فقيل له : قد عرفت ما في المماراة من الذم . فقال : ما فيها أقل ضررا من السكتة التي تورث عللا ، وتولد داء أيسره العي . ولبعضهم في الكتمان : صن السر بالكتمان يرضيك غبّه * فقد يظهر السر المذيع فيندم حدثنا مصعب بن محمد ، قال : دخل أبو العتاهية على المهدي وقد ذاع سره في غيبته ، فقال له : ما أحسنت في حبك ولا أجملت في إذاعة سرك ، فقال : من كان يزعم أن سيكتم حبه * حتى يشكك فيه فهو كذوب الحب أغلب للرجال بقهره * من أن يرى للستر فيه نصيب فإذا بدا سرّ اللبيب فإنه * لم يبد إلا والفتى مغلوب إني لأحسد ذا هوى مستحفظا * لم تتهمه أعين وقلوب فاستحسن المهدي شعره ، وقال : قد عذرناك على إذاعة سرك ، ووصلناك على حسن عذرك ، على أن كتمان السر أحسن من إذاعته . وقال آخر : لا يكتم السر إلا كل ذي خطر * والسر عند كريم الناس مكتوم والسر عندي في بيت له غلق * قد ضاع مفتاحه والباب مردوم قال زياد : ليس للسر موضع إلا أحد رجلين : إما صاحب آخرة يرجو ثواب اللّه ، وإما صاحب دنيا له شرف في نفسه وعقل يصون به حسبه ، وهما معدومان في هذا الوقت . مثل سائر أبخل من صاحب نجيح . حدثنا أبو ذرّ بن محمد بن مسعود ، قال : ذكر أن نجيح بن شاكة اليربوعي خرج يوما إلى الصيد ، فأثار حمار وحش ، فمضى أمامه ، وأتبعه نجيح ، إلى أن رفعه إلى أكمة في فلاة ، عليها رجل قاعد ، فدنا منه ، فإذا هو أعمى أسود في أطمار ، بين يديه ذهب وفضة ودرّ وياقوت . فدنا نجيح من المال ، فتناول بعضه ، فلم